التفتازاني
75
شرح المقاصد
والتابعين ، ومن بعدهم من الصالحين ، كرؤية عمر ( رضي اللّه عنه ) على المنبر جيشه بنهاوند حتى قال : يا سارية الجبل الجبل . وسمع سارية ذلك « 1 » . وكشرب خالد ( رضي اللّه تعالى عنه ) السم من غير أن يضر به . وأما من علي ( رضي اللّه تعالى عنه ) فأكثر من أن تحصى . وبالجملة وظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء ، وإنكارها ليس بعجيب من أهل البدع والأهواء ، إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ، ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء مع اجتهادهم في أمور العبادات ، واجتناب السيئات ، فوقعوا في أولياء اللّه تعالى أصحاب الكرامات ، يمزقون أديمهم ، ويمضغون لحومهم ، لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة « 2 » ، ولا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة ، قاعدين تحت المثل السائر أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل ، ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ، ونقاء السريرة ، واقتفاء الطريقة ، واصطفاء الحقيقة ، وإنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن إبراهيم بن أدهم انهم رأوه بالبصرة يوم التروية ، وفي ذلك اليوم بمكة . أن من اعتقد جواز ذلك يكفر . والإنصاف ما ذكره الإمام النسفي « 3 » حين سئل عما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحدا من الأولياء ، هل يجوز القول به ؟ فقال : نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة وللمخالف وجوه : الأول - وهو العمدة ، أنه لو ظهرت الخوارق من الولي لالتبس النبي
--> ( 1 ) يقول الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - إن يكن في أمتي محدثون فعمر منهم . ( 2 ) التصوف : الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا فيرى حكمها من الظاهر في الباطن ، وباطنا فيرى حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للمتأدب بالحكمين كمال . وقيل : مذهب كله جد فلا يخلطونه بشيء من الهزل ، وقيل : تصفية القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية . ( 3 ) هو عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل أبو حفص . نجم الدين النسفي : عالم بالتفسير والأدب ، والتاريخ ، من فقهاء الحنفية ، ولد بنسف وإليها نسبته وتوفي بسمرقند قيل له نحو مائة مصنف منها : التيسير في التفسير ، والمواقيت ، وتعداد شيوخ عمر ، والاشعار بالمختار من الأشعار « عشرون جزءا » ، ونظم الجامع الصغير في فقه الحنفية ، وقيد الأوابد ، وتاريخ بخارى ، وغير ذلك كثير توفي عام 537 ه . راجع الفوائد البهية 149 والجواهر المضيئة 1 : 394 ولسان الميزان 4 : 327 وإرشاد الأريب 6 : 53 .